موقع الدكتور أحمد صقـــر

 
    عودة الى الصفحة الرئيسية
    عودة الى المسرح المصري المعاصر  
 

 

الـــمؤثرات الذاتيــة والفنيـــة

فى مسرح نجيب سرور

 

مدخـــــل:

ارتبط المسرح منذ نشأته بالتعبير عن النفس الإنسانية وتصوير أحوال المجتمع الذى تتواجد فيه النفس البشرية، هذا إلى جانب دراسة العلاقة بين طبقات هذا المجتمع والكشف عن العوامل المؤثرة فيه، من عوامل اقتصادية وسياسية ودينية واجتماعية، مستهدفا من وراء ذلك أن يسهم بدوره فى خلق وعى قومى وإنسانى عام بقضايا الحياة الإجتماعية من أجل الوصول إلى حياة أفضل.

وقد عاش المجتمع المصرى القهر والعذاب منذ أقدم العصور، وقد استمر هذا القهر، رغم تغير الحكام عبر التاريخ، وتطور أشكال هذا القهر وألوانه، فمنذ أقدم العصور والملك الإله الفرعون يحكم، بل ويحتكر الشعب، إلى ان وصلنا إلى الاستعمار فى العصر الحديث بأشكاله وألوانه، لذا كان لزاما أن تتطور النظرة إلى المسرح كوسيلة هامة فى المجتمع يستطيع المؤلف المسرحى من خلالها أن يعبر عن آراءه وأفكاره، لذا اتجه بعض المؤلفين- بدافع من عقائدهم المذهبية- إلى نبذ الموضوعات الفردية والنفسية والصراع الدرامى بين الفرد وذاته أو الفرد والمجتمع، والاهتمام بتصوير أحوال المجتمع الإنسانى والعلاقات بين طبقاته والكشف عن الاستغلال والقهر الذين تعيش فى قيودهما الشعوب والطبقات، مستهدفين من وراء ذلك أن يسهموا فى خلق وعى قومى وإنسانى عام بتلك القضايا يعين على السير بالمجتمع والإنسان إلى حياة ومستقبل أفضل.

لذا رأى هؤلاء المؤلفين ضرورة الخروج على مبدأ المحاكاة وإيهام المشاهد بالحقيقة لكى يشركوا المشاهد بتفكيره ووعيه فيما يطرحه المسرح من قضايا.

وقد ظهر هذا الاتجاه فى المسرح العالمى على يد "إرفين بسكاتور" رائد المسرح السياسى فى ألمانيا والذى تتلمذ على يده بعد ذلك الكاتب الملحمى الألمانى "برتولد بريخت"، وانتشر هذا الاتجاه بعد ذلك فى أكثر من مكان حتى وصل إلى مسرحنا المصرى، حيث حاول كثير من كتاب المسرح أن يستفيدوا من إمكانيات هذا المسرح لكى يعكسوا من خلاله قضايا الحياة الإجتماعية المعاصرة.

 

ففى هذه الفترة التى نشأ فيها نجيب سرور كان المجتمع المصرى يمر بمرحلة من الاضطرابات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التى انعكست بدورها على أفراد الشعب، فعلى مستوى القرية المصرية وجدنا الاستعمار يسيطر على الأراضى الزراعية كلها بحيث لم يتبق منها إلا مساحات ضئيلة وزعت بين عدد محدود من صغار الملاك، هذا إلى جانب عدد كبير من الفلاحين لا يملك الأرض.

أمام هذه الظروف وجدت فى الريف المصرى فئات مختلفة من ملاك الأرض سواء من الفلاحين سكان الريف أو غيرهم من سكان المدن الذين لا يعيشون بصفة دائمة فى الريف. وعلى ذلك فإنه "من الخطأ تصور أن الفلاحين فى مصر يشكلون كتلة متجانسة". ففى الواقع إن هناك درجة ملحوظة ومتزايدة من التمايز الطبقى بين المجموعات المختلفة من الفلاحين.

وما نقدمه هنا هو تقسيم مبسط للطبقات الاجتماعية فى الريف المصرى قوامه:

1-   الفلاحون المعدمون.

2-   فقراء الفلاحيـــــــن.

3-   صغـار الفلاحيـــــن.

4-   متوسطو الفلاحيـــن.

5-   أغنياء الفلاحين أو الرأسمالية الزراعية.

 

وبذلك نستطيع أن نتصور أحوال القرية المصرية فى هذه الفترة، بحيث تقع ملكيات الأراضى فى يد فئات معدودة، بينما توجد فئات أخرى لا تستطيع الحصول على احتياجاتها اليومية من الطعام والشراب.

أمام كل هذه الظروف التى وجدت بالقرية المصرية اضطر كثير من أهل الريف إلى الهجرة إلى المدن، فكان ثـَمًة تيار متواصل من الهجرة من المناطق الريفية إلى المراكز الحضرية منذ الحرب العالمية الأولى 1914، واتجه ذلك بوجه خاص إلى المراكز الحضرية الضخمة كـ"القاهرة" و"الإسكندرية" والمدن الثلاث الرئيسية لمنطقة القنال بحيث وجدنا عدد سكان الريف يتناقص ويترتب عليه تزايد فى عدد سكان المدن.

وقد استمر هذا الاتجاه بحيث شهدت الحرب العالمية الثانية 1939- 1945 توسعا فى عملية الهجرة من الريف، فقد نتج عن نمو النشاطات المختلفة المرتبطة "بقوات الحلفاء" فى مصر خلق فرص جديدة للعمل فى المحافظات الكبرى، وعلى وجه الخصوص العمل فى معسكرات الإنجليز وفى مدن القنال، حيث تركزت معظم قوات الحلفاء، فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فى عدد السكان فى كل من المناطق الريفية والحضرية بمعدلات سريعة، وإن تميزت المناطق الحضرية بمعدلات تعجيل أعلى لنمو عدد السكان تفوق الزيادة الطبيعية للسكان.


 

هذه هى ظروف القرية المصرية قبل قيام ثورة 1952، وفى ظل هذه الظروف ولد "محمد نجيب سرور" فى قرية "أخطاب" بمحافظة "الدقهلية" فى أول يونيو عام 1932، فى ظل أسرة فقيرة مكونة من عشرة أبناء لموظف بسيط.

 

وقد استطاع "نجيب سرور" أن يتفاعل مع ظروف المجتمع المصرى التى عاشها منذ صباه، حيث استطاع أن يعكس هذه الظروف من خلال أعماله المسرحية والتى عبرت عن الطبقة الكادحة من أبناء الشعب المصرى، فالكاتب المسرحى لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن قضايا أمته بل إنه لزاما عليه أن يتفاعل مع البيئة الاجتماعية التى يعيش فيها، إذ أن "الأديب أو الفنان العبقرى" هو الذى يستطيع بقدرته التعبيرية الخارقة أن يصوغ فى شكل فنى المطامح والمضامين العقلية أو الممكنة للطبقة الاجتماعية التى ينتمى إليها أو يتعاطف معها.

واستطاع "سرور" أن يسجل ظروف المجتمع الذى عاش فيه، ويتضح لنا ذلك من خلال مسرحياته "ياسين وبهية" و"آه ياليل يا قمر" و"قولوا لعين الشمس" و"منين أجيب ناس"، حيث سجل "سرور" ظروف مصر منذ الثلاثينات من القرن الماضى وحتى نكسة 1967.

وقد استخدم "سرور" فى صياغة هذه الأحداث أسلوب التأريخ والذى يتمثل فى إعادة صياغة التاريخ "بشكل يتيح للجمهور فرصة الحكم على هذه الأحداث بالنظر إلى بُعْدِهِ عنها زمنيا، وبالتالى انفصاله عنها عاطفيا، ولكى يعرف الجمهور أنه ما دامت الأمور قد تغيرت فإنه من الممكن تغير الأحوال الحاضرة.

 

كما أن "سرورا" استطاع أن يعكس هذه الظروف التى عاشها والتى أثرت فيه تأثيرا بالغا حتى انعكست عليه بعد ذلك فى أعماله المسرحية أو الشعرية، ففى أشعاره استطاع "سرور" أن يعبر عن أبناء طبقته من الفلاحين الذين يعيشون فى قريته "أخطاب" فى أكواخ هى أقرب ما تكون إلى القبور:

 

"أفاتنتى فى احمرار الورود على وجنتيك

رأيت الدماء

دماء المساكين من قريتى

يعيشون كالدود فى مقبرة

هم الدود والميت يا فتنتى"

 

كما استطاع "سرور" أن يوضح لنا الطرف الآخر من الباشوات والباكوات الذين يعيشون حياة البذخ، حيث يسكنون القصور والتى تكاد تنام على القرية حتى تكتم أنفاسها:

 

"وقام هنالك قصر الإله

يكاد ينام على قريتى

ويكتم كالطود أنفاسها"

 

هذه هى الطفولة التى عاشها نجيب "سرور" فى قريته "أخطاب"، حيث الناس تعانى، والفقر يزحف إليهم، وقد ترجم "سرور" هذه الظروف فى رسالة إلى أبيه يوضح لنا فيها مدى ما عاناه هذا الطفل وغيره من الأطفال فى هذه الفترة من الحرمان والجوع ومن سخرية أبيه منه عندما كان صغيرا وما لهذه السخرية من أثر انطبع عليه بعد ذلك على أسلوبه فنراه يقول:

 

"قصتى من بدئها مكتوبة بالسخرية

كنت أمضى ورفاقى فى البكور

قبلما ينقض عصفور نعاسه

حسرتى.. كنتا بلون الميتين

كالدمة نصطف فى أنواء طوبة

كالكلاب الضمر نستجدى الكناسة

بعض سردين بعلية

وثمالات من اللحم بعظمة

وحبيبات من صنوف الطيبات"

 

إنعكست هذه الطفولة التى عاشها "سرور" عليه بعد ذلك بحيث أنه لم ينس ما حدث له ولأسرته عندما كان صغيرا وحدث ما حدث لأبيه من الإهانة عندما أرسل إليه الإله (العمدة) فى طلبه وحضر إليه وانهال عليه الإله بالضرب بالحذاء، ولقد كان لهذه الحادثة أثر كبير على "سرور" حتى باتت بداخله وجعلته يكره كل الآلهة (العند):

"وذاك المساء

أتانا الخفير ونادى أبى

بأمر الإله!.. ولبى أبى

وأبهجنى أن يقال الإله

تنازل حتى ليدعو أبى"

 

 ويستمر "سرور" فى سرد هذا الموقف الذى حدث لأبيه إلى أن يصل إلى:

 

"رأيت الإله يقوم فيخلع ذاك الحذاء

وينهال كالسيل فوق أبى!!

أهذا .. أبى؟

وكم كنت أختال بين الصغار

بأن أبى فارع "كالملك"..!!

أيغدو لعينى بهذا القِصَر؟"

 

ويختتم "سرورط قصيدته بموقف أبيه السلبى الذى رفضه "سرور" من داخله وهو ما زال طفلا صغيرا، إلا أنه يعكسه بعد ذلك عندما يكبر ويرفض كل الذين يسعون إلى إزلال الإنسان:

 

"وكان أبى صامتا فى ذهول

يعلق عينيه فى الزاوية

وجدى الضرير

قعيد الحصير

تحسسنى وتولى الجواب:

بنى. كذا يفعل الأغنياء بكل القوى!

كرهت الإله..

وأصبح كل إله لدى بغيض البصر

تعلمت من يومها ثورتى"

 

إنصهرت هذه الظروف التى مر بها "سرور" وكونت شخصيته بحيث وجدناه فى هذه الفترة لا يبتعد عن حركة الشارع المصرى بل يشارك فى المظاهرات والتجمعات الطلابية والعمالية، ذلك أن الشعب المصرى فى هذه الفترة وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وجدناه لا يطالب عقب انتهاء الحرب وبعد قيام ثورة 1919 بالاستقلال فقط بل أصبح لهم أهداف اجتماعية واقتصادية إلى جانب الهدف الأساسى وهو الاستقلال التام عن الإنجليز:

 


 

"كيخوت مهلا.. ما هناك؟

بحر من المتظاهرين هديره شق السما،

بالموت بالموت الزؤام.. أو الجلاء؟

كيخوت.. ما الموت الزؤام.. وما الجلاء؟

من هؤلاء؟.. من هؤلاء؟

وإذاك بين الموج تطفو كى تغوص،

وتغوص كى تطفو.. صغيرا أنت كنت..

ما غير هذا حوت يونس،

ما غير هذا.. أنت توشك أن تختنق

وصرخت يا كيخوت بالموت الزؤام وبالجلاء

حتى لفظت إلى الرصيف

فجعلت تهتف من هناك

وبمثل صوت الضفدعة

كيخوت وحدك.. بالرغيف

وسقوط "باشا" كان فى أخطاب فى القصر الكبير،

وإذا بكف كالجبل..

تهوى عليك.. على قفاك

كى تنكفئ.."

"فوق الرصيف"

 

ويبدأ سرور يقول الشعر وهو صغير، فقد تعلمه "على أبيه ثم "أبى العلاء المعرى" و"دانتى الليجرى" و"ناظم حكمت" و"بايرون" و"بوشكين" وحفظت ذاكرته آيات القرآن، والشعر الشعبى، وشعر العرب، قدامى ومحدثين".

وبعد أن برزت موهبته فى مجال الشعر وتبلورت أفكاره واتجاهاته ترك بعدها دراسته بالحقوق:

 

"ودرست فى الكلية القانون..

قانونا لغابة،

يتلى علينا من عصابة!

يا ألف نص.. كل نص ألف بند، فى كل بند ألف حرف

فى كل حرف ناب أفعى..

كم يبلغ المجموع؟

لا أدرى..

فدوما كان حظى فى الحساب..

صفرا.. وتحت الصفر بالبنط العريض..

خطت بليد"

 

والتحق "سرورا" بالمعهد العالى للفنون المسرحية وحصل على الدبلوم سنة 1956 واشترك بعد تخرجه فى الحركة المسرحية لمدة سنتين حيث انضم إلى المسرح الشعبى وعمل تحت إشراف الكاتب المسرحى "على أحمد باكثير" والمخرج "عبد الرحيم الزرقانى" وسافر "سرور" بعد ذلك إلى الاتحاد السوفيتى سنة 1985 فى بعثة دراسية لدراسة الإخراج المسرحى التى استقر بها إلى سنة 1963 ثم عاد إلى مصر عام 1964.

ومما لا شك فيه أن الفترة التى قضاها سرور فى الاتحاد السوفيتى كان لها الأثر الكبير فى تكوين شخصيته وفى تحديد اتجاهاته، حيث قضى سرور فترة فى ظل هذا المجتمع الذى رفض الإقطاع وأعطت الثروات الحق للفلاح فى امتلاك الأراضى الزراعية كحق طبيعى.

 

كان لهذه الظروف التى مر بها "سرور" الأثر الكبير عليه، وذلك إذا ما أدركنا أنه عاش فى قريته تحت سيطرة الإقطاع فترة كبيرة من حياته، فكيف يكون إحساسه وهو الذى افتقد وجوده فى بلده، ولم يرى سوى الإهمال وسوء المعاملة حتى أنه قرر قبل سفره عدم العودة إلى مصر.

كما أدرك "نجيب سرور" الفرق بين نظرة المجتمع المصرى إلى الفن والفنانين ونظرة المجتمع الروسى الذى أعطى العناية وحسن المعاملة للفن والفنانين.. "فقد شاهد نجيب سرور الكثير من الأعمال المسرحية التى تقدم فى روسيا وخاصة أعمال "بريخت" المسرحية التى أعجب بها أشد الإعجاب وكذلك أعمال "بوشكين" و"تولستوى".

وبعد أن عاد "سرور" إلى مصر كان متأثرا بما كان سائدا فى المجتمع الروسى وظهر ذلك فى أفكاره ومعتقداته ونظرته لقضايا المجتمع، فكتب المسرحيات التى استطاع من خلالها أن يعكس المؤثرات الذاتية التى مر بها الشاعر فى حياته، حيث كان لـ"نجيب سرور" موقف من أبناء طبقته ومن قضايا الحياة الإجتماعية السائدة فى مصر، إذ أن "سرور" اعتنق مبدأ "بورماشيه" فى الدراما والذى يرى "أن الدراما يجب أن تكون فى خدمة الشعب وليست تعبيرا عن الطبقة الحاكمة".

من أجل هذا عكس "سرور" الكثير من المواقف التى مرت بحياته وحياة أمته، وتمثل ذلك فى قضية الإقطاع والسيطرة على الأراضى الزراعية، والاحتلال الإنجليزى للبلاد ورد الفعل على أبناء هذا الشعب فى هذه الفترة التى عاشها "سرور" فى الثلاثينات من القرن السابق وتمثلت فى مظاهرات الطلبة والعمال وحادث كوبرى عباس سنة 1945 ومعركة العلمين وحرب فلسطين سنة 1948 ورحيل الملك "فاروق" عن مصر فى السادس والعشرين من يوليو سنة 1952 ثم العدوان الثلاثى على مصر سنة 1956.

كما عكست الثلاثية الإشتراكية على أساس أنه مبدأ اعتنقه "سرور"، ويتضح لنا ذلك من خلال مسرحية "ياسين وبهية" حين يقول:

 

"لما كان آدم وحوا

م السما نازلين يادوبك بالعيال

قول وبعيال العيال

ياترى كان فه ساعتها بيه ولا باشا"

 

"قول ساعتها الأرض كانت ملك مين

والمواشى ملك مين

مين بيجمع

مين بيقلع

مين بيصحى من آدان الفجر  يشقى

للى نعسان للضحى"

 


 

المؤثرات الفنية فى مسرح نجيب سرور

 

خضع مسرح "نجيب سرور" لمجموعة من المؤثرات التى شكلته وجعلت له طبيعة مميزة، وتتجلى فى المؤثرات الملحمية والمؤثرات الأرسطية والمؤثرات الميلودرامية، هذا إلى جانب بعض المؤثرات الأخرى التى ظهرت بشكل محدود فى مسرحه.

وقد تراءى للباحث أن يقوم فى البداية بدراسة عناصر كل من المسرح الملحمى والأرسطى لكى يتحدد موقع مسرح "نجيب سرور" منهما، وأى هذه العناصر غلب على الآخر. فكثير من النقاد ودارسى المسرح يرون أن مسرح "سرور" ملحمى الطابع ويعكس بعض الملامح الأخرى غير الملحمية.

وهنا لا أقدم رأيا فى صحة هذا الكلام من عدمه إلا بعد أن أتعرض لملامح المسرح الملحمى والمسرح الأرسطى.

 

إن "المسرح الملحمى" يهدف إلى مشاركة الجمهور فى العرض بشكل فعلى ويسعى إلى استصدار حكم من الجمهور على قضية من القضايا.

ويقول مسيو "جاك ديوشيه" فى هذا الصدد "إن المسرح الملحمى لا يكشف عن شخصيات ولا يعقد عقدة مسرحية، بل يروى ويسرد قصة والقصة هى التى تستلفت النظر وهى التى يتحتم عليها أن ترشد الممثلين وتهديهم. من ناحية أخرى لا تبسط المسرحية الملحمية حدثا كبيرا واحدا، بل تحبك عديدا من الأحداث الصغيرة التى تلقى الضوء على موقف ما، ومن زوايا مختلفة. كما يهدف المسرح الملحمى، كما يقول "بريخت"، إلى أن يلتزم الكاتب المسرحى بالتعبير عن قضايا مجتمعه وعصره فى السياسة والاجتماع بما يوافق طبيعة التطور ويدفع بالمجتمع فى مستقبله إلى حياة أفضل، ويستخدم المسرح الملحمى المشاهد والمواقف والأحداث التى يستطيع الجمهور أن يبنى عليها حكمه، وكأن تلك المشاهد والمواقف والأحداث حيثيات لهذا الحكم، وعندئذ لا محل لمطالبة المؤلف بوحدة الموضوع أو الحدث، أو البناء الدرامى الموحد للمسرحية أو الصراع المركز بين طرفيه أو الشخصيات المحددة الأبعاد.

وهنا ندرك أن الصراع لا يصدر عن فكرة واحدة مسيطرة تبين آثارها الأفعال الصادرة منطقيا عن الفكرة، ولكنه صراع ديالكتيكى- جدلى- يخاطب عقل المشاهد، ويسعى "بريخت" لكى يقدم موضوعاته إلى الاستعانة بعناصر مختلفة لكى يتحقق التغريب "الذى يعد عنصرا أساسيا فى المسرح الملحمى والذى كان هدفه خلق حالة من الانفصال بين الجمهور والمسرح لمنع الجمهور من التوحد من المسرحية ولتمكينه من أن ينقد المسرحية نقدا بناء من وجهة نظر اجتماعية، ذلك أن المسرح وهم، ويجب أن يبقى الجمهور واعيا بهذه الحقيقة عن طريق هدم مفهوم الحائط الرابع الذى يفصل الجمهور عن المسرح، إذ يجب أن يدرك المشاهد أن المسرحية ليست حقيقية وإنما هى "توضيح لحالات يمكن أن تغير ويجب أن تغير فى الحياة الحقيقية".

ولكى يحقق "بريخت" التغريب استعان بعدة وسائل، وهى:

1-        التأرخة.

2-        الراوى.

3-        الشخصيات.

4-        الكورس.

5-        الموسيقى.

6-        القناع.

7-        التمثيل.

8-        الإنارة.

9-        تصميم المناظر الخاصة بالديكور المسرحى.

 

ونجد أن أولى هذه الوسائل لتحقيق التغيرب هى التأرخة، وتتحدد فى استعانة المؤلف بالتراث عموما سواء الشعبى أو الأسطورى أو التاريخى ثم إعادة طرحه بعد تفريغه من جوانبه العاطفية، وذلك بتقديم صورة لما حدث من هذه الأحداث وليس ما حدث بالفعل، حيث يكون المؤلف قد نجح بذلك فى أن يجرد هذه الأحداث من عنصر الاتصال الزمنى والانفعال العاطفى، ويلجأ "بريخت" فى ذلك إلى الاستعانة بعنصر السرد كعنصر من عناصر المسرح الملحمى، سواء عن طريق الراوى أو الكورس، والذى يتلاءم مع طبيعة الكتابة التاريخية والأسطورية والشعبية، حيث أن المؤلف لا يقدم لنا كل الأحداث بل نجده يروى ويقص الكثير منها.

وبذا يحقق السرد الكثير من المزايا، حيث أنه "يخبر الجمهور بخلفية الأحداث ويصف أفكار الشخصيات ودوافعها، وأحيانا يطلع الجمهور على نهاية المسرحية قبل حدوثها ليحمى الجمهور من الترقب والانتظار ويعطيه فرصة ليفكر ويحكم".

وفى الدراما الملحمية نجد الأحداث متجاورة موصولة عن طريق روابط يمكن ملاحظتها بسهولة، حيث أن الدراما الملحمية لا تسعى إلى ذروة ديناميكية، ولا تهدف إلى طرح سلسلة من الأحداث متتابعة فى تطورها متخذة خطا مستقيما، وإنما تتطور بدلا من ذلك فى منحنيات، وحتى قفزات، وفى هذه الحالة نجد أن كل حدث لا يرتبط بما يأتى بعده، كما أنه هو نفسه لا يرتبط بما جاء قبله.

بالإضافة إلى ذلك فإن أحداث الدراما الملحمية هى عبارة عن إعادة لتصوير العلاقات بين الشخصيات، على أساس أن كل شخصية عبارة عن وحدة تناقضات وليست الشخصيات جوهرا ثابتا كما فى المسرح الأرسطى، ويقدم الحدث بواسطة الراوى الذى يسرد الحدث ثم يعاد تصويره بعد ذلك على المسرح، وعندئذ نجد الحدث يقدم منتقدا وليس أمرا مسلم به، هدفه هو تطهير نفس المشاهد، ومن ثم يدفعه إلى أن يبحث عن التغيير.

ويقول "أمين العيوطى" "إن المشاهد فى المسرح الملحمى لا يفتقد المتعة (التسلية) التى يتوقعها من المسرح ولكنها بالتأكيد ليست المتعة العاطفية التى تستأثر بعقله "فى العرض الدرامى التقليدى، لكنها متعة جمالية حسية تصل إليه من خلال تأثيرات الديكور وبناء المشاهد، ومتعة عقلية من خلال جدليات الصراع فى العمل نفسه".

كما إن المسرح الملحمى يعتمد على بعض الموضوعات المستمدة من التراث الشعبى كالحكاية الشعبية، والتى تعيد الجمهور إلى علاقته بواقعه، كما يستخدم الراوى والأدوات المسرحية البسيطة والمكشوفة لخلق التغريب الذى يحقق الانفصال النقدى الذى يركز لدى المشاهد المدلول السياسى للحكاية المطروحة.

 

أما المسرح الأرسطى فهو يسعى إلى "أن يثير فى نفس المشاهد مشاعر الخوف والشفقة لكى تطهر عواطفه فيخرج مرتاح النفس متجدد النشاط"، كما يسعى المسرح الأرسطى إلى أن "يقدم صورة أمينة لواقع الحياة، وأن يوهم المشاهد بأن ما يراه على خشبة المسرح حقيقة واقعة تجرى أمامه فى اللحظة التى يشاهد فيها المسرحية فيتعاطف مع بعض شخصياتها ويضع نفسه مواضعهم، وذلك يتم من خلال ما يصاحب ذلك من انفعالات- ما أسماه أرسطو بالتطهير أى أن يتم تطهير المشاهد مما تنطوى عليه نفسه من أحاسيس مكبوته ضارة عن طريق إنفعاله بما يشاهد من مآس على خشبة المسرح.

كما أن المسرح الأرسطى يقدم موضوعاته والتى يهدف من عرضها تقديم صورة لما يحدث فى الواقع دون أن يعطى الفرصة للمشاهد لكى يفكر فيما يجرى أمامه على خشبة المسرح، وهنا نجد المشاهد فى المسرح الأرسطى "يفقد القدرة على التفكير فيما يجرى أمامه، ويسلب القدرة على مواجهة المشاكل السياسية وحلها بشكل فعال يقضى على أصول المشكلة المطروحة"، ذلك أن المسرح الأرسطى قائم أساسا على فكرة المحاكاة والتوهم، حيث يجد المشاهد أمامه عالما من الوهم يجعله ينصرف عن التفكير فى القضايا الحياتية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ويكتفى فقط بالمشاهدة، مما يجعله يعيش فى حلم لوقت مؤقت بعده لا يتحرك فى الحياة ليواجه أموره الحياتية بشكل موضوعى.


 

كما يتميز المسرح الأرسطى بأنه يسعى إلى ان يحقق المتعة للمشاهد تلك المتعة التى تستأثر بعقله وتسيطر على عواطفه حتى تجعله عاجزا عن التفكير فيما يقدم له، بل يركز هدفه على تحقيق التطهير دون إعمال عقله فيما يقدم له.

كما أن هناك تباينا واضحا بين طبيعة الشخصيات فى المسرح الأرسطى والمسرح الملحمى، إذ أن الشخصيات فى المسرح الأرسطى تسعى إلى إحداث التوحد بينها وبين الجمهور لكى يزحف الجمهور إلى داخل نفس البطل ويعيش قضيته، لدرجة أنه يحدث لكثير من المشاهدين تصديق ما يقدم لهم من أحداث تجعلهم ينسون أنهم فى مسرح، ومن ثم يظل المشاهد لا يرى الحدث إلا من وجهة نظر البطل، مما يفقده هذا القدرة على التفكير والنقد، وهذا بخلاف المسرح الملحمى الذى يجعل من الشخصيات ساردة للحدث بعيدة عنه حتى لا تتوحد معه، ومن ثم يظل هناك قدر من الابتعاد عن تقمص هذه الشخصية وغالبا يتم هذا عن طريق الراوى أو الكورس الذى يذكر الجمهور دائما بأنهم أمام ممثلين يؤدون أدوارا معينة، بل وأنهم فى مسرح وأن ما يقدم لهم ليس إلا صورة لما يمكن أن يكون قد حدث فى الحياة.

 

ومن استعراضى لطبيعة المسرح الملحمى وكذا المسرح الأرسطى، فإننى استطيع القول: إن "سرورا"، باعتباره كاتبا مسرحيا، اقترب كثيرا من المسرح الملحمى الذى يتفق مع اتجاه "سرور" الذى يسعى من خلال مسرحياته إلى طرح بعض القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ودراسة العلاقة بين الأفراد والمجتمع.

ويتحقق الاتفاق بين "بريخت" و"سرور" فى توحد آرائهما حول واجب المسرح، إذ يرى "بريخت" (أن واجب المسرح يتمثل فى كونه آداة ثورية تسهم فى عملية التحول الاجتماعى لصالح الطبقات المقهورة) و"سرور" هنا لا يتأثر بـ"بريخت" تأثيرا يجعله يفقد القدرة على اختيار ما يتناسب وطبيعة مسرحه، بل إننا نجد "سرورا" يأخذ بعضا من عناصر المسرح الملحمى التى تتلاءم مع البيئة المصرية.

إلى جانب ذلك يتضح لنا أوجه الاتفاق بين كل من "بريخت" و"سرور" فى هدف الدراما عندهما، فنجد "أنها قادرة على أن ترد على أسئلة يطرحها العقل البشرى بعيدا عن مسرح الإيهام الأرسطى العاطفى الذى يهدف إلى اندماج المتفرج مع البطل حتى ينسى نفسه تماما. مع أننى لا أقول إن المسرح الملحمى يلغى وجود العاطفة، بل إننى إذا قلت بذلك كأننى أسعى إلى أن أجرد العلم من الإحساس، وفى هذا الصدد يقول "بريخت" إن ما هو جوهرى بالنسبة للمسرح الملحمى يتلخص كما يبدو لى، ليس فى مخاطبته للمشاعر قدر مخاطبته لعقل المشاهد، فالمشاهد يجب ألا يتعاطف بل يجب أن يجادل، وفى مثل هذه الحالة فليس من الصحيح قطعا أن نجرد هذا المسرح من الإحساس، إن النتائج التى يمكن أن تترتب على ذلك السلوك هى نفسها فيما لو قمنا اليوم بتجريد العلم، مثلا من الإحساس".

 

كما يتضح لى جانب آخر من جوانب تفضيل "سرور" لأسلوب "بريخت" المسرحى سواء من حيث المضمون أو من حيث الشكل الذى يتخذ كإطارا لهذا المضمون وكيفية إخراجه على المسرح، إذ يقول "سرور" فى هذا الصدد "إن من يريد الجمع بين الاختصاصين (يعنى اختصاص الدراما والإخراج) أن يملك عبقرية "بيراندللو" أو "بريخت".

وهنا ندرك أن تأثر "سرور" بـ"بريخت" لا يقتصر على النص المسرحى فحسب بل نجد تفضيل "سرور" لأسلوب "بريخت" فى الإخراج المسرحى (والذى يريد لنجومه أن يذوبوا فى العرض المسرحى لحساب وحدته الفنية لا أن يضعوا أنفسهم أمام العرض- كإعلانات النيون- على حساب وحدته الفنية).

 

وهنا سأتناول دراسة لجوانب التأثير البريختى على مسرح "نجيب سرور" معتمدا على إبراز هذا التأثير، دون الدخول فى تفاصيل المادة التى اعتمد عليها "سرور" والمعتمدة على التراث الشعبى، وخاصة الحكاية الشعبية، بل سنركز على الشكل الذى اتخذته هذه الأعمال والمتأثرة بالشكل الملحمى وتتجلى لنا فى الأعمال التالية:

1-   الثلاثية "ياسين وبهية" و"آه ياليل يا قمر" و"قولوا لعين الشمس".

2-   "يا بهية وخبرينى".

3-   "الحكم قبل المداولة".

4-   "منين أجيب ناس".

5-   ملك الشحاتين".

 

وتشغل الثلاثية مساحة زمنية من تاريخ مصر الحديث تمتد من بداية القرن العشرين وحتى النصف الثانى منه، ويعالج "سرور" من خلال هذه الثلاثية التحولات الكبرى التى حدثت فى تاريخ مصر حيث "تبدأ الثلاثية بالسخرية وتنتهى بالتمرد".

وقد استنبط "سرور" مادة الثلاثية من التراث الشعبى، حيث اعتمد على الحكاية الشعبية، وهى مادة من مواد المسرح الملحمى والتى يعتمد عليها بشكل أساسى حيث "إن الحكاية الشعبية تعيد الجمهور إلى علاقته بواقعه".

وقد اتخذ "سرور" الشكل الملحمى كأساس لعمله هذا ليعكس من خلاله آرائه، ففى الجزء الأول من الثلاثية اتضحت عناصر المسرح الملحمى من اعتماد "سرور" على الراوى ليؤكد الطبيعة الملحمية للموضوع حيث يقوم الراوى بسرد الأحداث، إذ أن الأبطال ليسوا حاضرين وبالتالى فنحن لا نرى الأحداث بل نسمعها من الراوى الذى يتولى سردها.

كما يتضح الأثر الملحمى فى طبيعة الشخصيات حيث أن "ياسين وبهية" شخصيتان متفردتان فى عواطفهما وقصة حبهما، وإن هذه القصة تبلور الناحية الفردية فى الشخصيات وعواطفها وأفكارها وانفعالاتها، ولكن إعلاء شأن العاطفة هنا لا يهدف إلى تعميق الإحساس لدينا بالواقع الموضوعى ونحن نرى هذه العاطفة ترتطم بالظروف الاجتماعية والاقتصادية.

كما أن المسرحية تعكس بعض الملامح الملحمية الأخرى حيث أنها لا تنبنى حول مركز، ولا تتوالى فيها الأزمات حتى تصل لنقطة الإلتحام الرئيسية، وهذا ما يحدث فى المسرح الملحمى، حيث يقول "فخرى قسطندى" فى هذا الصدد:

 "إن الحبكة توحى لنا بنسيج محكم النسيج، متماسك الأطراف، كبنيان مرصوص يشد بعضه بعضا، ليس له ذوائب أو خيوط مدلاه". فالمسرحية تبدأ الحدث من أوله معتمدة على الراوى يقدم لنا الأحداث والشخصيات فتتلاحق الأحداث الواحدة تلو الأخرى وتصور تدرج التطور فى الأحداث والشخصيات والصراع، والتطور هنا فى الشخصيات والأحداث امتدادان مترابطان يصوران تطور الصراع فى الملحمة، وقد سجل سرور قصته فى إحدى عشر لوحة ليس بينها أى ترابط حيث أن كلا من هذه اللوحات تعتبر فصلا مستقلا عن الآخر، ولذا نجد أن البناء الدرامى بالمفهوم الأرسطى فى هذا العمل مفكك وهى صفة تغلب فى أعمال "سرور" وهى صفة أساسية فى المسرح الملحمى.

ويقول "أمين العيوطى" "إنه نتيجة لإنشغال المسرح الملحمى بحياة الكادحين وتصويره لقطاع شعبى كبير، أن خلف هذا التصوير أثرا على التصوير الدرامى فاختلطت عناصر الملحمة بعناصر الدراما واكتسبت الحبكة الدرامية المركزة فيما سبقه من الأعمال خاصية الشكل الملحمى الأقل تركيزا فى أعماله هو، وهذا هو المنهج الذى جرت عليه التجربة الجديدة "ياسين وبهية"، حيث اتخذ الصراع فى هذا العمل طابعا ملحميا، حيث أنه يبدأ صراعا شخصيا ثم سرعان ما يتحول إلى صراع جماعى.

 

إن قصة "ياسين وبهية" وحبهما لبعضهما ومشاكلهما الاقتصادية وعجزهما عن الزواج، وموت والد "ياسين" فى المنفى بعد أن سلب "الباشا" أرضه، كل هذا يفجرالمشكلة الفردية لتصل إلى المشكلة الجماعية، حيث الناس تزرع والغير يحصد، وهم لا يحصلون على شئ، ثم هناك عامل آخر يفجر المشكلة وهو رغبة "الباشا" فى سلب "بهية" شرفها، هذا عامل كامن يشتغل ثم يخمد ثم يكرر "الباشا" طلبه مما يعجل باندلاع الثورة الجماعية.

كما استعان "سرور" فى مسرحيته هذه بوسيلتين من الوسائل الفنية ساعدتاه على تحقيق التوازن فى عمله هذا، فوجدنا الحلم وسيلة للتنبؤ بالمستقبل، حيث حلم "ياسين" وهو يركب "الباشا" وما يعبر عنه من رغبة فى إذلال "الباشا"، ثم أسلوب الاسترجاع الذى استخدمه "سرور" لاستحضار الماضى (شبح والد "ياسين").

إن استخدام "سرور" للوسيلتين معا قصد به ربط الماضى بالحاضر والتطلع نحو المستقبل مثلما فعل باستخدامه بعض النصوص القديمة، والحكم لكى يقول لنا "سرور" إن ما حدث بالأمس يحدث اليوم وإن اختلفت تفاصيله.

 

كما اتضح بهذه المسرحية وسيلة أخرى من وسائل المسرح الملحمى لإحداث الاغتراب، "فبينما يستخدم بريخت الخمور وسيلة من وسائل الإنتماء والإغتراب، والانتماء فى حالة الصحور والإيقاظ والاغتراب فى حالة السكر".

يفعل "سرور" الشئ نفسه عندما استخدم المخدرات وسيلة من وسائل الاغتراب عند شخصياته من أجل إطلاع المشاهد على الأوضاع السائدة فى المجتمع.

وقد تحققت الملحمية فى الجزء الثانى من الثلاثية فى مسرحية "آه ياليل يا قمر" والتى ابتدأها بالراوى الذى أعطى القدرة على تعميم وتداخل الأحداث لكى يوضح لنا استمرارية الحياة وتوالدها داخل الشخصيات، ولم يعرض لنا "سرور" داخل مسرحيته هذه قصة لها بداية ونهاية، وإنما عرض حوادث ولوحات متجاورة وليست مترابطة بعضها ببعض، إلا من حيث النتيجة الختامية لهذا العمل، كما أن الصراع فى هذه المسرحية لا يتطور إلى ذروة يتبعها حل، وإنما أحداث متسلسلة، وعلى الرغم من أن الراوى يظهر فى المقدمة فقط، إلا أن أغلب المسرحية بعد ذلك تروى ولا تجسد على المسرح، حيث نجد الكورس يحل محل الراوى ويساعده فى ذلك كل من "أمين" و"بهية" حيث يسردان الفصل الأول من المسرحية، ثم فى الفصل الثانى تروى "بهية" للكورس حياتها وما حدث لها من تطور عندما قررت الرحيل عن "بهوت" إلى "بورسعيد" ويشاركها فى سرد الأحداث "أمين"، إلى أن يصل إلى الفصل الأخير من المسرحية حيث تسرد "بهية" والكورس كل أحداث هذا الفصل.

إن اعتماد "سرور" على السرد جعل الجمهور ينفصل عن الأحداث ولا يندمج معها عاطفيا، بل يشاهد هذه الأحداث ويحكم عليها، وهذه خاصية من خصائص المسرح الملحمى وظفها "سرور" فى مسرحيته هذه وحقق بها مقصده.

كما أن لغة السرد والتى اعتمد عليها "سرور" فى عمله الأول قد تغيرت من الفصحى إلى العامية وأصبح الحوار هنا حوارا مسرحيا ولم يعد مجرد حوار يقترب من الحوار القصصى، كذلك لم يهتم "سرور" فى هذا العمل بالتعرض للشخصيات ولظروفها الخاصة بقدر ما ركز على حياتها كجزء من كل يشكل كيان المجتمع، ولعل هذا جعله يعرض لنا المجتمع ككل وهذه الشخصيات كجزء منه، لذا وجدنا كلا من "ياسين" و"أمين" و"عطية" فى الثلاثية شخصيات لها صفة المصير الجماعى، وإن كانت هذه الشخصيات تتعرض لقوى أكبر منها تعترضها، إلا أنها لا تنسحب من هذه المواجهة، وإن حدث فيكون هذا هروبا مؤقتا مع عودة واعية كما حدث لـ"أمين" فى الجزء الثانى من الثلاثية والذى انفصل لفترة وأغرق نفسه بالخمور ثم تيقظ بعد ذلك وشارك فى الكفاح.

 

وإلى جانب ما تقدم من عناصر ملحمية فى هذا العمل، استعان "سرور" بالراوى والكورس اللذاين لهما الصبغة الملحمية من حيث الآداء ووظيفتهما فى هذا العمل، حيث نجحت هذه الوسيلة فى هدم الحائط الرابع. وقد أكد "سرور" للجمهور أنه باستخدام هاتين الوسيلتين فإن ما يقدمه ليس واقعا بل مسرحية، وذلك يمنع الجمهور من التوحد مع الشخصيات أو الحوادث ويشجعه على التفكير والحكم، وهو ما يميز المسرح الملحمى.

كما لعب الخمر والحشيش دورا هاما فى الثلاثية، حيث استخدم "سرور" الخمر والمخدرات بوصفها وسيلة لهرب الشخصيات من مواجهة هذا الواقع الأليم، ولهذا نجد "ياسين" يهرب من الظلم ومن طغيان "الباشا" فى جلسات الحشيش مع أقرانه، ويفعل "أمين" الشئ نفسه حين يهرب من الواقع ويستخدم الخمر للاغتراب عن هذا العالم، ونجد فى الجزء الثالث من الثلاثية "حمدى" الفنان الذى يفشل فى إيجاد فرصة للحياة الكريمة يغترب عن الواقع الذى يحيطه وينتهى به الأمر إلى الإنتحار.

إن استخدام "سرور" لهذه الوسيلة- ومن قبله "بريخت"- وإن حققت هدفها بالنسبة للشخصيات إلا أن هذا يحدث لوقت مؤقت، لأن هذه الشخصيات ينتهى بها الأمر إلى الحقيقة الواقعة، لذلك فهى وسيلة فاشلة لأن مرارة الواقع تتغلب دوما على كل المسكرات والمخدرات.

 

ويعود "سرور" فى مسرحية "آه ياليل يا قمر" إلى استخدام الحلم باعتباره وسيلة من وسائل المسرح الملحمى، كما فعل فى مسرحيته "ياسين وبهية"، وهنا نجد استخدام "سرور" للحلم الذى يشتمل على الرموز، فـ"بهية" فى حلمها ترى "ياسين" و"أمين" فى ثياب الجنة وعلى جبهتيهما ورود حمراء فتمد يدها لتمسك بالقمر الذى يقدمونه لها، ولكن الأرض تتفجر فيها البحور، وتشتعل النيران، وتنبت الأشواك، هذه جميعا رموز لها معان أعمق، رموز للمصاعب التى نقابلها فى الطرق إلى الغد، وهنا ندرك ما للحلم من قيمة فى التنبؤ بالمستقبل.

 

وإذا انتقلنا إلى الجزء الثالث والأخير من الثلاثية وهو مسرحية "قولوا لعين الشمس" نجد أن "سرور" قد استعان بعناصر من المسرح الملحمى حيث يتناسب هذا الشكل الذى صاغ به "سرور" عمله مع طبيعة هذه المسرحية التى تعتمد على التاريخ والموروث الشعبى، وتتجلى هذه العناصر الملحمية فى استخدام "سرور" للكورس الذى يتناسب مع طبيعة الموضوع القائمة على السرد، حيث يقوم الكورس هنا بأكثر من وظيفة يتخطى بها دوره فى المسرح الأرسطى ليصل إلى دوره فى المسرح الملحمى، حيث نجده يمثل ضمير الأمة الذى لا يغفل، والذى يتذكر كل حادثة ونجده يشترك فى تصوير الأحداث وتجسديها وقبول بعض الأحداث ورفض البعض الآخر معتمدا على لغة شعرية جميلة، استطاع "سرور" من خلالها أن يحقق تقدما فى المسرحية الشعرية، إذ اختلط الماضى بالحاضر بالمستقبل فى بوتقة الموقف المسرحى، حيث يعطى الموقف إيقاع العقل التراجيدى دون أن نرى الفعل نفسه، ومع ذلك نراه خيرا مما لو قدمناه أمامنا بشكل مباشر. لذا نجد أن هذا يُمَكِن المشاهد من رؤية الفعل ورد الفعل فى لحظة واحدة.

 

وقد تجلت لنا الملحمية فى أعمال أخرى لـ"سرور"- بجانب الثلاثية- ففى مسرحية "منين أجيب ناس" نجد أن "سرور" اعتمد فى مسرحيته هذه على مادة من مواد التراث الشعبى حيث "الحكاية الشعبية" والتراث الأسطورى حيث "الأسطورة الشعبية الفرعونية" هذا إلى جانب أحداث من تاريخ مصر، وقد اتخذ "سرور" الشكل الملحمى كإطار لهذا المضمون لما وجده من توافق بين طبيعة مادة هذه المسرحية وبين الشكل الملحمى.

وتتجلى هنا الملامح الملحمية فى اعتماد "سرور" على الراوى الذى يعد محور العمل ومحور الحركة فيه، كما أنه يعد جزءا من العرض، إذ أننا كثيرا ما نجده، داخل العمل كجزء منه وأحيانا أخرى نجده خارج العمل كراو له أو معلق عليه.

وقد استطاع "سرور" أن يعكس من خلال هذه المسرحية الطبيعة الملحمية، إذ ينتمى "سرور" إلى المسرح الملحمى بوصفه اختيارا فنيا مع إدراكه التام لطبيعة هذا الإختيار. إذ يختار الشكل الملحمى دون أن يخضع لكل مقومات التغريب التى يتضمنها المسرح الملحمى، وقد صدرت هذه الطبيعة الملحمية عن "صدور هذا العمل مع القاعدة واتجاهه إليها وقناعته بدور الجماهير فى التحولات التاريخية وفى الصمود إزاء محاولات القهر والاستغلال". إلا أن هذه الطبيعة الملحمية لم تلغ الطبيعة الجمالية عند "سرور" "فقد نتجت الطبيعة الجمالية عن وجدان مفعم بأحاسيس المعاناة الفنية الخصبة فى السعى إلى الكمال وبقدر ما تتدفق الدلالات، مع تتابع المواقف والأحداث فى مسرح الشاعر والكاتب والمخرج المسرحى "نجيب سرور" بقدر ما تتبلور الأشكال التعبيرية الخاصة بها فى وحدة مصدرها الشاعر المتحد بقضايا أمته والتحديات التى تواجهها".

على أنه لم يقتصر ظهرو العناصر الملحمية فى مسرح "سرور" على أعماله المعتمدة على التراث الشعبى فقط، والتى جمعت "بين خصائص الشعر الدرامى والدراما الشعرية ومقولات من المسرح السياسى"، بل إنه يتضح ظهور هذه العناصر الملحمية فى أعمال غير معتمدة على التراث الشعبى كما فى مسرحياته "يا بهية وخبرينى" و"الحكم قبل المداولة".

ففى مسرحية "الحكم قبل المداولة" يطرح "سرور" قضية معاصرة يغلب على مادتها الجدل والمناقشة التى تقوم عليها المحاكمة، حيث تعتمد المسرحية على "خيط رقيق قوامه متهم برئ يقبض عليه بتهمة قتل غير معلومة ويحاكم أمام هيئة محكمة فرض عليها الحكم مسبقا، ويقوم الجزء الأعظم من المسرحية على المحاكمة، كما يقول الإدعاء وممثلوا الدفاع قبل صدور الحكم فى نهاية المسرحية". ويستعين "سرور" فى هذه المسرحية- كما سبق القول- بتكنيك المسرح الملحمى ويظهر ذلك فى استعانته بالكورس لكى يقوم بربط الأحداث بعضها ببعض والتعليق عليها، وهذا لا يتعدى دوره الأرسطى، إلا أننا نجد "سرورا" يتعدى هذه المرحلة ويصل به إلى دروه فى المسرح الملحمى الذى يجعله يناقش الأمور ولا يأخذها كمسلمات يعلق عليها أو يطرحها، بل نجده دائما يحاول أن يذكر المشاهد بأنه أمام عرض مسرحى قوامه الممثلون والجمهور معا، حيث أن "سرورا" كثيرا ما يوجه أسئلة إلى الصالة لكى يشترك الجمهور معه ويجعله متيقظا على طول الخط.

أما المسرحية الثانية التى يتجلى بها الأثر الملحمى عند "سرور" فهى مسرحية "يابهية وخبيرنى" حيث اقترب "سرور" كثيرا فى أسلوب عرضها من مسرحية "بريخت" و"دائرة الطباشير القوقازية"، فالأحداث فى هذه المسرحية تنقسم إلى مستويين، المستوى الأول تؤديه الفرقة الزائرة، ويتضمن حوارا بين المؤلف والمخرج ومدير الفرقة، والمستوى الثانى هو المسرحية التى يؤديها الفلاحون ويبدعون فى أدائها حتى يصفق لهم الممثلون الذين جاءوا ليقدموا نفس العمل إليهم، ويرفض الفلاحون حيث لا يقتنعون بأداء هذه الفرقة الزائرة، ويعتبرون هذا الآداء عيبا فى حقهم وفى حق تراثهم، لذلك يقوم الفلاحون ويبدلون أماكنهم حيث يجلس الممثلون على الأرض، ويعرض الفلاحون المسرحية على المصطبة أمامهم.

وقد اعتمد "سرور" فى هذا العمل على عدة عوامل لكسر الإيهام المسرحى متمشيا فى ذلك مع طبيعة المسرح الملحى لذا "يعتبر سرور أول من حاول أن يستخدم اللغة بوصفها عاملا من عوامل التغريب فى مسرحية مصرية لكسر الإيهام. فاللغة فى هذه المسرحية تدور حول مستويين من مستويات اللغة، مستوى لغة الفلاحين ومستوى لغة المثقفين، ولعل هذا يخلق تذبذبا واضحا للشكل الدرامى بين المستويين".

وأرى هنا ما يؤكد طبيعة مسرح "سرور" حيث أنه يتمتع بوحدة عضوية غير تقليدية، وحدة خاصة به، وهنا نرى اتفاق مع ما يقوله الناقد "ديبلين"، حيث يعرف المسرح الملحمى "بأن ما يميز العمل الدراماتيكى" عن الملحمى هو قدرتنا على تقطيع الأخير إلى أجزاء، ومع ذلك فإن كل جزء يحافظ فى حدود معينة على قدرته الحياتية".

وإذا ما طبقنا هذا القول على المسرحية فإننا نجد قول "ديبلين" يتحقق، حيث أن البناء الدرامى غير متكامل ولا متصل بل إننا نجد المسرحية عبارة عن سرد على شكل لوحات، يمكن أن نحذف أى لوحة منها دون أن يتأثر بذلك البناء الدرامى والذى يستمد طبيعته من المسرح الملحمى.

 

وبالإضافة إلى ما سبق فإنه يتجلى من خلال هذه المسرحية عنصر آخر اعتمد عليه "سرور" من أجل تحقيق ملامح المسرح الملحمى فى مسرحيته هذه، حيث "أراد سرور للحدث أن يكون لغويا سمعيا أساسا، وليس بصريا فقط، كما هو معروف فى المسرح التقليدى، بمعنى أن كسر الإيهام قد استخدم فقط فى الجزء الأول من المسرحية ثم عرض لنا فى الجزء الثانى الوجه الآخر من العمل، حيث عرضت علينا الصورة كما يجب أن تكون حقيقة أرض ريف مصر.

إلى جانب ما تقدم فى هذا العمل من عناصر ملحمية فقد تجلى أيضا عنصر الديكور بوصفه عنصرا هاما من عناصر الإيهام المسرحى، حيث وجدناه فى المستوى الأول من المسرحية والذى يقوم به الممثلون يعتمد على غربة الديكور والملابس، إذ أنهم جاءوا إلى الريف ليعرضوا حكاية "ياسين وبهية" بملابس المدينة ومن ثم أعطوه صورة غير حقيقية للريف المصرى والفلاحين، ثم نجد المستوى الثانى من الملابس حيث الفلاحون قد قاموا بأداء أدوارهم بدلا من الممثلين القادمين من المدينة فنجد البساطة والسلاسة سواء فى الملابس أو فى الآداء التمثيلى.

وكذلك استعان "سرور" فى هذا العمل بعنصر الموسيقى ووظف هذا العنصر توظيفا يتلاءم مع الطبيعة الملحمية للمسرحية حيث بدأ المستوى الأول- الذى أدته الفرقة الزائرة- بموسيقى غريبة عن ريفنا ولا تتناسب مع طبيعة المسرحية، ثم وجدنا المستوى الثانى- الذى أدته مجموعة الفلاحين- وقد استعانت بموسيقى تحمل ملامح الريف المصرى.

على أن "سرور" فى هذا العمل صاغ عمله معتمدا على الكورس كعنصر من عناصر التغريب فى المسرح الملحمى ووظفه توظيفا ملحميا تعدى به وظيفة الأرسطية، فوجدنا الكورس يشترك فى الأحداث فى بعض المواقف إلى جانب دوره الذى تنوع بين ممهد للعرض فى بداية المسرحية ثم معلق على الأحداث وعلى ما تقوله "بهية"، بل إنه تعدى ذلك إلى مناقشة هذه الأمور بشكل جدلى أصبغ على المناقشة الصبغة الديالكتية التى يتميز بها المسرح الملحمى، والذى لا يقبل الأمور كمسلمات، ويتجلى هذا من موقف أهل القرية مثلا من الفرقة الزائرة واعتراضهم على أسلوب عرضهم لتراثهم المتمثل فى حكاية "ياسين وبهية" وقيامهم بأداء هذه الأدوار، وهنا ندرك أن المسرح الملحمى الذى جعله "سرور" أساس اتجاهه فى هذا العمل، لم يكتف بالاعتراض على ما يقدم بل إن أهل القرية قدموا رأيهم مجسدا أمام الناس وأعجب به المخرج وبقية الفرقة الزائرة.

 

وبعد أن استعرضت المؤثرات الملحمية فى مسرح "نجيب سرور" بوصفها أحد المؤثرات الفنية التى شكلت مسرحه، انتقل بالحديث إلى المؤثرات الأرسطية التى تتضح فى بعض أعماله، إذ يتجلى لى من خلال دراستى لأعمال ظهور المسرحية ظهور بعض الجنوح للمسرح الأرسطى يتمثل فى مضامين مسرحياته المستمدة من التراث والتى سبق أن استخدمت فى المسرح القديم، هذا إلى جانب استخدامه لعنصر السرد المتمثل فى الكورس والراوى، إلا أنه يوجد خلاف بين "سرور" ورواد المسرح القديم فى أن أعمالهم المعتمدة على التراث قدمت كما هى ولم يحدث بها نفس التغيير الذى أحدثه "سرور" فى مسرحياته من أجل أن يربطها بالواقع المعاش، هذا إلى جانب أن استخدامه لعنصر السرد قد تطور كثيرا عما كان عليه من قبل رواد المسرح القديم.

فقد تميز مسرح "سرور" بتشابهه تشابها كبيرا فى بعض أعماله مع المسرح الإغريقى الأصيل فى خلطه السرد بالدراما، والتعليق بالإنشاد والتأريخ وبالأسطوره وفى استخدامه للطقوس والشعائر وفى بلورته للحزن الفردى بحيث يصبح حزنا جماعيا يشمل العالم كله.

ويمكن تحديد هذه الملامح الأرسطية التى ظهرت فى مسرح "سرور" من خلال بعض مسرحياته، فقد تحدث "محمد مندور" عن مسرحية "ياسين وبهية" لـ"سرور" وعن استعانته بعنصر القص وأنه مبدأ كلاسيكى قديم وقد وصل "محمد مندور" فى رأيه هذا إلى أن الاستعانة بعنصر السرد لا يتعارض مع الدراما الشعبية ويقول فى هذا الصدد "من الواجب أن نلاحظ أن الاستعاضة بالقصص الشعرى المؤثر على المشاهد الفعلية لمشاهد القسوة والعنف مبدأ فنى قديم، استند إليه "راسين" الذى آثر قصص الأحداث العنيفة الدرامية فى عدد من تراجيدياته على عرض تلك المشاهد البشعة على الجمهور مطمئنا إلى قدرته الخارقة على أن يثير الجمهور بقصصه أكثر مما يمكن أن تثيره المشاهد الفعلية للأحداث.

ويعود "محمد مندور" فى حديثه عن "ياسين وبهية" ويقول فى هذا الصدد "أنا أقرر هذا المبدأ الكلاسيكى وأضرب له مثلا لأوضح لمن قد يعترضون على المحاولة الجبارة- يقصد "ياسين وبهية"- التى نجح فيها مسرحنا الشعبى الهادف (على يد "سرورا") لأنه لا ضير من إدخال العنصر القصصى على الدراما الشعبية، مادام هذا العنصر قد اكتسب من قوة صياغته وقوة أدائه ما يستطيع أن ينفث الحركة والحياة فى نفوس المشاهدين يجذبهم إليه ويستحوذ على انتباههم وإثارة الإنفعالات العميقة فى نفوسهم.

وهنا أود أن أشير إلى أن استخدام "سرور" لعنصر القصص (السرد) كعنصر من عناصر المسرح التقليدي أساسا وإن كان قد استخدم بعد ذلك فى المسرح الملحمى، إلا أن "سرورا" حين استخدم هذا العنصر لم يخطأ لأن مبدأ الإستعاضة بالسرد مبدأ فنى استخدم فى المسرح القديم، وليس هناك ما يمنع من استخدام السرد فى المسرح الأرسطى الملحمى، ولكن وجه الخلاف هو طبيعة هذا الاستخدام، إذ أننا نجد أن المسرح الأرسطى يكتفى بالإشارة والتعليق والتقديم معتمدا على السرد. هنا يتجلى لنا هذا المبدأ كما استخدم فى العصر الكلاسيكى القديم، أو فى الكلاسيكية الحديثة.

أما الاستخدام فى المسرح الملحمى فنجد أن استخدام عنصر السرد لا يتوقف عند حدود الإشارة والتلميح والتعليق ولكنه يتعدى ذلك إلى إبراز الرأى على يد الكورس أو الراوى، بل وتكون المحاولة لتقديم الجديد من الآراء، ولا يحدث الإكتفاء بإثارة القضايا بل يحدث فى كثير من الأحيان تقديم المقترحات والآراء.

على أنه إذا كان "سرور" قد استعام بالسرد فى عمله الأول "ياسين وبهية" فإنه فى عمله الثانى "آه ياليل يا قمر" يربط بين العملين بأن "اتخذ من منتصف اللوحة الحادية عشر والأخيرة فى مسرحيته "ياسين وبهية" إفتتاحية لمسرحيته الثانية "آه ياليل يا قمر" فكانت هذه الإفتتاحية بمثابة البرولوج المستخدم فى المسرح التقليدى، والذى عاد فى بعض أعمال المعاصرين من أمثال "يوجين أونيل" و"تنسى وليامز" و"آرثر ميللر". وذلك حين استهل هؤلاء الكتاب أعمالهم ببرولوج طويل كما فى مسرحية "منظر من الجسر" لـ"ميللر" حين استهل "الفيرى" المحامى المسرحية ببرولوج طويل سرد لنا واطلعنا على وظيفته كمحام وعن نشأته، ثم عن وضع القانون فى "أمريكا" وعما يقوم به من أعمال ونوعية القضايا التى يقابلها وبالتالى نوعية الناس الذين يتعامل معهم، وهو بذلك يعد بمثابة راوٍ للأحداث حيث يخبرنا عما سوف يحدث وهو هنا لا يجعلنا نفكر فى القضية المطروحة، وهنا نجد دوره يتشابه مع دور الراوى فى المسرح الملحمى.

 

إلى جانب هذه المؤثرات الفنية فى مسرح "سرور" يتضح لنا فى مسرح "سرور" جانب آخر من جوانب المؤثرات الفنية فى مسرحه، ويتجلى هذا الجانب فى ظهور الجنوح الميلودرامى فى مسرح "سرور" وخاصة مسرحياته "ياسين وبهية" و"قولوا لعين الشمس" و"ملك الشحاتين"، ذلك لأن طبيعة الموضوعات التى بنيت عليها هذه المسرحيات مأخوذة من الأدب الشعبى والتاريخ وتدور حول ثيمة الحاكم والمحكومين والصراع بين الخير والشر ولعل هذه الصفات تتفق مع طبيعة الميلودراما.

وتقول "هدى وصفى" "إن سرورا جدد أطر الميلودراما ولم يكرر أبنية أعماله فوجدنا التجديد فى أربع نقاط:

 

1-   تعديل الحبكة.

2-   البطل الإشكالى.

3-   الصراع الإجتماعى.

4-   الإطار المفتوح، مع استمرار وجود الثنائيات المكانية والزمانية.

 

وإذا ما حاولنا أن نستوضح معا هذه النقاط ونطبقها على أعمال "سرور" نجد أن العنصر الأول قد تحقق فى مسرحيته الأولى "ياسين وبهية"، إذ أن "سرورا" فى هذه المسرحية لم يجعل الحادثة الشرقية الخاصة بـ"بهية" حين طلبها الباشا للخدمة بالقصر هى الحبكة الرئيسية ولكنه جعلها حبكة ثانوية وتركز على "ياسين" البطل الفعلى للمسرحية، كما أن "ياسين" فى هذه المسرحية بطل إشكالى متناقض ينتمى إلى أبناء طبقته من الفلاحين بالدم وليس بالفكر، فهو قد تجاوز هذه المرحلة لدرجة أنه أصبح هو المحرك الأول الذى يحرك هذه الجموع والتى ينفصل عنها كشخص منقسم فى ذاته يسعى لتحقيق أحلامه ومتطلباته، وهنا ندرك الفارق بين "ياسين" الشخصية المحورية الإشكالية المتناقضة وبين "ألمظ" التى يظهر العنف فى بنائها، كما أنها لا تبدو إشكالية فى مواقفها كما يتضح فى مسرحية "ملك الشحاتين".

وفى مسرحية "قولوا لعين الشمس" نجد أن "سرورا" قد جسد لنا الصراع الاجتماعى فى هذا العمل حيث تحرك عطية من أجل بلده من أجل أبناء طبقته ضد الطبقية الفاسدة فى تحرك يبقى هدفا جماعيا وليس هدفا فرديا.

وهنا ندرك الفارق بين الصراع فى هذا العمل والصراع فى "ياسين وبهية"، إذ جعل "سرور" الصراع غايته الفرد، وإن بدا فى ظاهره جماعيا،  حيث أن "ياسين" حرك الجماعة من أجل "بهية" وشرفها.

كما أن "سرورا" فى مسرحيته "ملك الشحاتين" قد جعل النهاية مفتوحة، بمعنى أن مصير كل من "أبو دراع" و"أبو مطوة" يتمثل فى إنتظار الاستفتاء الذى تسعى إليه "ألمظ" لذا نجد "سرورا" يغير من أبنية الميلودراما ليجعل إطارها المغلق مفتوحا لم يصدر عليه الحكم مسبقا.

وهنا نستطيع القول أن المسرح الملحمى والإتجاه الميلودرامى يتفقان فى "أن الإنسان هو محور الحدث حين يركز الحدث على الفرد وليس فى الآلهة، أو القدر، ففى الميلودراما احتكاك بين أفراد أخيار وأشرار، كما أن فيها أفرادا يتعذبون ويتألمون. ويتعارض المسرح الأرسطى مع كلا الاتجاهين فى أن الإنسان فى هذا المسرح ليس موضوع البحث، إذ أنه يعالج باعتباره ثابتا وليس متغيرا".

على أننا لا نعد هذا الجنوح الميلودرامى فى أعمال "سرور" غير مقبول لأنه يناشد العقل قبل الوجدان، كما أننا نجد "بريخت" نفسه قد استخدم الميلودراما وعاء للفكر الماركسى"، إذ أن "بريخت" فى مسرحيته "أوبرا الثلاث قروش" "يحقق استخداما سليما للميلودراما، فقد وجد "بريخت"ن" للخطابة والميلودراما وظيفة درامية فعالة، إنه يستخدمها بطريقة مزدوجة المعنى ليكشف حقيقة الأوضاع. هنالك تصبح الكلمات الرنانة، والتى هى كالبطل الأجوف، أداة لكشف الزيف الذى يعيشه المجتمع. وبالرغم من أن الشخصيات هنا نمطية إلا أننا لا نهتم بما داخل الشخصية ولكن بما تقوله وتفعله فى الظاهر.

وقد تحدث كل من الناقد "أحمد عباس صالح" والناقد "بهيج نصار" وحكم الإثنان على مسرحية "آه ياليل يا قمر" بأنها عودة إلى الميلودراما القديمة" إلا أن "سرورا" يرد على هذا الرأى فى كتابه "حوار فى المسرح" يقول أن النقد أخطأ حتى عجر عن التفريق بين الطابع الميلودرامى للعرض وما يمكن أن يكون طابعا ميلودراميا للنص، ذلك أن العرض تناول الأحداث والشخوص والكلمات تناولا ميلودراميا ساعده على قتامة الأحداث والمصائر.

لقد تجاهل بعض النقاد أن الميلودراما يمكن أن تكون سمة من سمات البناء لنص معين، مثال ذلك "ملك الشحاتين"، ولكنها يمكن أن تكون سمة فى الآداء التمثيلى والعرض المسرحى بوجه عام، مثل مسرحية "آه ياليل يا قمر".

وقد ساعد أسلوب الأداء الميلودرامى لدى المخرج "جلال الشرقاوى" على طبع العرض كله بطابع ميلودرامى انطمست معه الحركة الدرامية فى المسرحية وانطمس معه الصراع الذى هو جوهر أى دراما.

 

إلى جانب هذه المؤثرات الفنية فى مسرح "سرور" فإننا لا نغفل جانبا هاما فى مسرح "سرور" وهو تشابهه وتأثره بالكاتب المسرحى الأسبانى "لوركا" الذى اختار الريف مكانا لأحداث مسرحياته، حيث عرض لنا ريف أسبانيا والفلاحين هناك والأرض المتنازع عليها، وكان هدفه من وراء ذلك أن يحرر الريف من قيمه المتخلفة من عصور التبعية والظلم.

وقد اعتمد "لوركا" فى أعماله على التراث الشعبى الأسبانى، بحيث أنه لم يرتد فى أعماله إلى قواعد المسرح الأرسطى ولكنه استخدم أسلوبا مسرحيا يعتمد على التراث الشعبى الأسبانى، من حيث الموضوع، وكذلك صياغته لهذه الموضوعات بشكل يتناسب مع الطبيعة الاسبانية، حيث استطاع "لوركا" أن يطوع الأساليب الأسبانية القديمة مما جعلها تتناسب مع أفكار القرن العشرين، لذا جاء "لوركا" بين الكتاب البارزين فى القرن العشرين الذين جمعوا فى أسلوبهم بين التراث، من حيث المضمون، والمعاصرة، من حيث الشكل.

وقد تشابه "سرور" مع "لوركا" فى أسلوبه الذى اتبعه فى أعماله المسرحية مثل "يا بهية وخبرينى" حيث كان الريف هو المحرك فى العملين، حيث كانت الأرض وقضية الفلاحين هما هدفه الأساسى.

وقد تحدث "أمين العيوطى" عن "ياسين وبهية" وربط بينهما وبين أعمال الكاتب "لوركا" من حيث طبيعة الموضوعات، وبينها وبين "بريخت" من حيث الأسلوب الذى صاغ به "سرور" عمله، فيقول "العيوطى" فى هذا الصدد: "إن "سرورا" فى مسرحيته "ياسين وبهية" يمشى فوق أرض فنية افتتحها من قبله شاعر أسبانيا العظيم "لوركا" وينتحل أسلوبا "بريختيا" خالصا فى مخاطبة جمهور المشاهدين، بزى السير الشعبية المصرية. وهذا المزج الفنى، وإن كان يقع شخصية الشاعر، إلا أنه لم ينف عن عمله أهميته. ومثلما فعل "لوركا" فى أعماله المتعددة على التراث وجدنا "سرورا" فى بعض أعماله ينهج نفس هذا النهج، حيث "سرور" بالتراث الشعبى وصب من خلاله مشاكل المجتمع العصرية، حيث وجدنا الريف كان الأساس فى بعض أعماله إذ أن "سرورا" أراد- ولعله فى هذه متأثرا بظروف نشأته وبـ"لوركا"- أن يحرر الريف والفلاحين من الظلم والجهل اللذين يعيشان فيهما.

 

 


 

وعلى ذلك نستطيع القول أنه، إذا صح ما قدمته، أكون قد توصلت إلى بعض النتائج، أبلورها على النحو التالى:-

 

1-       عكس مسرح "نجيب سرور" الكثير من المؤثرات الذاتية والفنية، وقد تمثلت المؤثرات الذاتية فى ظروف نشأته فى قرية "أخطاب"، حيث نشأ فى فترة شهدت فيها القرية المصرية، بل والمجتمع المصرى، الكثير من المظاهرات والصراعات الداخلية ضد قوى الإحتلال الإنجليزى، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن نشأته فى الريف المصرى وارتباطه بالأرض قد عثر عليه واتضح ذلك فى مسرحياته، حيث تناول قضايا أبناء هذه الطبقة من الفلاحين والعمال اللذين كانوا محور الصراع فى أعماله.

2-                تبلورت النزعة الدينية فى مسرح "سرور" والتى تمثلت فى استعانته بمقتطفات من القرآن والتوراة والإنجيل وبعض الحكم الواردة من نصوص الأهرام، كل هذا يوضح لنا أثر نشأته الدينية الأسرية والتى اتضحت فى دعوته إلى الإصلاح.

3-       تميز مسرح "سرور" بأنه اعتمد كثيرا على بعض من عناصر المسرح الملحمى والتى تمثلت فى أن المؤلف يقدم لنا أحداثا تجرى أمامنا على طول الخط، بل إنه يعتمد على السرد، حيث يناقش ويعلق وينقد الكثير من المواقف معتمدا على الحكاية الشعبية التى تساعده بدورها فى تحطيم الوهم، وبذلك يحقق "سرور" هدفه فى توصيل الكلمة دون أن يندمج المشاهد كلية فى العمل.

4-       إلى جانب هذه العناصر الملحمية فقد عكس مسرح "سرور" الكثير من العناصر الأرسطية والتى شاعت فى أعماله، هذا إلى جانب بعض من الجموح الميلودرامى الذى ظهر فى حوار بعض من شخصياته، كل هذا يجعلنا نرى أن مسرح "سرور" قد حقق الإنفرادية فى شكله الذى هو مزيج من الملحمية والأرسطية والميلودرامية، وإن كنا نرى أن الإطار الملحمى هو الأساس الذى يحتوى العنصرين السابقين.